مسؤولية الآباء والأمهات عن كل خلل في فطرة الأبناء أو فسادها

مشاهدة
أخر تحديث : الأربعاء 18 يناير 2017 - 7:23 مساءً
مسؤولية الآباء والأمهات عن كل خلل في فطرة الأبناء أو فسادها

سلوان سيتي 

يشكو  ويتبرم الكثير من الآباء والأمهات والمربين وعموم الناس من اختلال الفطرة لدى الناشئة ، وكأن هذه الناشئة قد اختارت بإرادتها الانصراف عن الفطرة التي فطرها الله عز وجل عليها ، وكأن المتبرمين من سلوكها  من آباء وأمهات ومربين لا  تقع عليهم مسؤولية ذلك . ولقد حدد ديننا الحنيف مسؤولية الآباء والأمهات عن  صيانة وحفظ فطرة الأبناء من خلال حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يقول فيه : ” ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسّون فيها من جدعاء ” ففي هذا الحديث تحديد لمعنى الفطرة التي فطر الله الناس عليها ، والحديث يتضمن تشبيها أو تمثيلا  حيث شبه النبي صلى الله عليه وسلم الفطرة الآدمية بالفطرة البهيمية، ذلك أن البهيمة تولد على الفطرة التي فطرها الله عز وجل عليها، فتكون جمعاء لم يتغير من بدنها شيء لا جدعاء  قد  بتر من بدنها شيء، علما بأن الجمع فيها أصل والجدع طارىء، فكذلك المولود الآدمي يولد على الفطرة، ويكون في طبيعته المعنوية أجمع لا أجدع ، وإنما يطرأ عليه الجدع من تهويد وتنصير وتمجيس… وغير ذلك من والديه أو من يسد مسدهما في الممارسة التربوية  .

 وهذا يعني أن الوالدين قد يتصرفان عن قصد أو عن غير قصد في فطرة الأبناء تصرف يعرضها للخلل أو الفساد . وقد يتبرأ بعض الآباء من مسؤولية الاختلال الفطري عند أبنائهم ويحملونها لغيرهم، فتارة يتهمون المربين ، وتارة يتهمون الشارع أو وسائل الإعلام … إلى غير ذلك مع أن اتهام هؤلاء وتحميلهم المسؤولية لا يعفي الوالدين من المسؤولية المباشرة عن اختلال فطرة أبنائهم ، ذلك أن حماية هذه الفطرة هي مهمتهما ومسؤوليتهما الأولى . ومعلوم أن الجهل بطبيعة الفطرة يتولد عنه بالضرورة جهل بكيفية صيانتها ،ذلك أن ممارسة الأبوين لأنواع من التربية غير المنسجمة مع الفطرة التي يجهلون حقيقتها يؤدي إلى اختلالها  حسب نوع التربية التي  يعتمدونها . والحديث النبوي الشريف يشير إلى انتقال انحراف الفطرة من الأبوين إلى الأبناء، الشيء الذي يعني براءة هؤلاء الأبناء مما يرتكبه الأبوان في حقهم من أخطاء تفسد فطرتهم .

  ومن العبارات الشائعة في مجتمعنا قولهم :” فلان أفسد طبائع أو طباع أبنائه “أي أحدث جدعا في فطرتهم. ومن العبارات الشائعة أيضا قول الأبوين لأبنائهما : ” ما هذه الطبائع الخانزة  ؟ ” من فعل خنز يخنز اللحم إذا خزن وأنتن ، وفي الحديث : ” لولا بنو إسرائيل ما أنتن لحم ولا خنز الطعام ” يقولان ذلك  إنكارا لبعض ما يصدر عن أبنائهما  مما ينافي الطبع المقبول اجتماعيا ، وصفة خانزة تعكس مدى شدة تبرم الأبوين من بعض سلوكات أبنائهما . وكما تفوح الرائحة الكريهة من اللحم أو الطعام الخانز أو الخازن تفوح أيضا رائحة معنوية كريهة من سلوك الأبناء بسبب إفساد الأبوين طبائعهم . ويذم المجتمع الأبوين المقصرين في صيانة فطرة أبنائهما ، وقد يلعنان بسبب ذلك إذ تشيع في مجتمعنا عبارة : ” الله يلعن من ربّاك ” وتقال للطفل الذي يأتي الأفعال المشينة أو يفوه بالفحش .

 وقد تجتمع على الأبناء وهم أبرياء قد وهبهم الله عز وجل لأبويهم على الفطرة تحريف الأبوين لفطرتهم مع الخضوع لمؤثرات أخرى تكرس هذا التحريف فتكون الخسارة فادحة، ذلك أن الشارع وهو خارج السيطرة والضبط لأنه لا توجد سلطة تحكمه يفعل فعله السلبي  في فطرة الناشئة ، كما أن المؤسسات التربوية وهي عبارة عن بوتقة تنصهر فيها مختلف طباع من يرتادونها قد تعمق انحراف تلك الفطرة بسبب تقليد الناشئة لبعضها البعض . ويتبادل الآباء التهم مع المشرفين على المؤسسات التربوية ، ويتراشقون التهم فيما بينهما بخصوص انحراف فطرة الناشئة حيث يحاول كل طرف التملص من مسؤوليته عن صيانة تلك الفطرة . وقد يوجه الآباء والمربون أصابع الاتهام إلى الشارع ،وهي تهمة موجهة لعموم المجتمع لأنه لا توجد  فيه جهة معينة  أو مخصوصة يمكن أن تحمل تلك المسؤولية . والحقيقة أن الأمة كلها تتحمل مسؤولية عدم صيانة فطرة الناشئة لأن الأمة تتكون من آباء وأمهات ومربين… ، ولا يوجد شخص في المجتمع لا يكون أحد الأبوين .

والمسؤولية عن صيانة فطرة الناشئة تتفاوت حسب علاقة المسؤولين عنها  بتلك الناشئة ، فمسؤولية الآباء والأمهات أكثر من مسؤولية المربين ، وهكذا إلى آخر درجة أو رتبة في هذه المسؤولية . ومعلوم أن انحراف فطرة الناشئة أو فسادها له عدوى حيث ينتشر ذلك الفساد  بين الناشئة كما ينتشر المرض أو الوباء المعدي . وكما يتحمل الآباء والأمهات مسؤولية تطبيب أبنائهم في حالة الأمراض العضوية، فإنهم يتحملون أيضا المسؤولية في علاج انحراف فطرة أبنائهم . وكما تحرص المؤسسات التربوية على محاربة الأمراض العضوية المعدية ،فإنها ملزمة بمحاربة فساد فطرة الناشئة .

وكما أن المجتمع يهب لصد الأوبة المعدية حين تجتاحه ، وجب عليه أن يهب لصد فساد وانحراف فطرة الناشئة . ولا بد أن توجد جهات مختصة للبحث في أسباب ومسببات انحراف فطرة الناشئة من أجل التوصل إلى وصف العلاج المناسب لذاك . فقد يكون مصدر فساد فطرة الناشئة الأبوين ، وفي هذه الحالة لا بد من خضوعهما لمراجعة أو علاج من أجل استئصال الداء من مصدره . وقد يكون مصدر هذا الفساد المؤسسات التربوية ، وفي هذه الحالة تتحمل الجهة الوصية عليها مسؤولية استئصال الداء من مصدره أيضا . وعلى الجهة المسؤولة عن المجتمع برمته أن تتحمل مسؤرولية استئصال هذا الداء من مصدره أيضا لأن صيانة فطرة الناشئة مسؤولية الجميع . ولا بد من التنبيه إلى أن  طبيعة العلاقة الزوجية بين الوالدين  تلعب دورا كبيرا في صيانة أو عدم صيانة فطرة الأبناء ، ذلك الأبناء الذين يعيشون في أسر ذات وضعيات خاصة مثل وضعية التفكك الأسري  الذي يكون سببه انفصال الوالدين  لا تصان فطرتهم بسبب غياب دور أحدهما في الصيانة .

كما أن  وضعية اليتم قد تكون لها نفس النتيجة ، كما أن وضعية غياب  أو اغتراب أحد الوالدين قد تكون لها نفس النتيجة أيضا . وقد تكون نفس النتيجة بسبب وضعية علاقة زوجية مضطربة أو بسبب وضعية جهل وأمية الوالدين ، أو بسبب انصرافهما الكامل إلى شغل أو مهمة أو وظيفة أو كسب .

وخلاصة القول أن ضياع فطرة الناشئة عبارة عن خسارة فادحة في الرأسمال البشري الذي هو عماد وجود واستمرار المجتمع .

عن : وجدة سيتي

رابط مختصر