شهادة حول مقتل الطفلة “إخلاص” بقلم حفيظ حسوني

مشاهدة
أخر تحديث : الجمعة 25 يناير 2019 - 11:16 مساءً
شهادة حول مقتل الطفلة “إخلاص” بقلم حفيظ حسوني

سلوان سيتي 

شهادة حول مقتل الطفلة “إخلاص” بقلم حفيظ حسوني

لم أشعر بالصدمة عندما اكتشفت أن من كان سببا في موت الطفلة اللؤلؤة البريئة “إخلاص” هو المسمى “المحجوب” المنتقل حديثا إلى حي “عين الشفاء” بِإقليم “الدريوش”، المنحدر من نفس المنطقة التي وُلِدْتُ فيها وعشت فيها جُلَّ طفولتي (13سنة) إلى أن هربت وعائلتي من جحيم تلك المنطقة المنكوبة نحو ضواحي مدينة سلوان..

قبيلة “گْزنّاية” أو ما يُعرف بقبيلة “بني محمد” هي منطقة قروية من مناطق الريف المغربي المنسية، تعاني أساسا من مشكل العزلة؛ لا سوق أسبوعي فيها ولا طريق معبدة تمر بها ولا مستشفى ولا ماء صالح للشرب ولا مدارس إعدادية أو ثانوية.. ورغم شساعة مساحتها ليس بها إلا مدرسة إبتدائية واحدة مهترئة حتى المراحيض لا تتوفر عليها.. والمنطقة على مر عقود من الزمن لم يتم ربطها بالشبكة الكهربائية إلا مؤخرا.. هي منطقة بدائية بكل ماتحمله الكلمة من معنى، والجهل عشش فيها منذ الأزل، والجهل إذا أصاب أمة هوى بها إلى الحضيض وجعلها لا تميز بين الصحيح والصواب.. الجهل يا سادة هو قاتل “إخلاص”! وما دام الجهل يسري فينا فانتظروا ضحايا أخرى غير “إخلاص” ومِن هنا أؤكد أن المآسي لن تنتهي بسجن “المحجوب” وكل الجناة، نعم يجب معاقبته ولكن يجب كذلك أن يتحرك مسؤولو هذه البلاد لإنقاذها من براثن الجهل بتقريب المؤسسات التعليمية بمختلف مستوياتها من كل أبناء الشعب أينما وُجدوا؛ لأن المدرسة هي النواة والشعلة الأولى التي تنير عقولنا وتفتحها، ومنها ننطلق إلى عالم النور.. مادور المسؤولين إن لم يخدموا الشعب وييسروا له سبلَ الحياة..؟!

سئمنا من التحقير والتهميش والتفقير والتجهيل.. سئمنا من التخاذل واللامبالاة.. اتقوا الله فينا.. كفاكم استهتارا بمصير هذا الشعب الذي ضحى بالغالي والنفيس من أجل هذا الوطن.. كفاكم كسلا، كفاكم كذبا ونفاقا وزورا.. السجن آخر الحلول وليس أولها لو كنتم تعقلون، السجن حل آني فقط.. يجب معالجة المشكلة من الأعماق، وأعماق هذه الأمة يسكنها جهل عظيم. تخيلوا معي لو كان “المحجوب” إنسانا متعلما واعيا..أكيد ماكان ليفكر في قتل طفلة بريئة لا ذنب لها انتقاما من أبيها.. فهذه الطفلة لا دخل لها في نزاعات الكبار مهما كانت شائكة.. هكذا يفكر العقل السليم.. ولو كان عقل “المحجوب” سليما غيرَ محجوب بالجهل لَمَا سحق وردة فتية وحرمها من حقها في الحياة بلا حق ولَمَا حرم أهلها منها. علينا أن نعلم أن المحيط هو من يصنعنا وكلما كان المحيط راقيا وسليما من مختلف الآفات تسلم نفس المرء من الشوائب ويصفو فكره ويطهر قلبه..

أشهد أن أهل تلك المنطقة أناس طيبون رغم قيود الجهل الذي يكبلها وظلامه المحيط بها ورغم معاناتهم.. وهم أناس كرماء رغم فقرهم المدقع؛ فكل ممتلكاتهم أراضٍ يزرعون فيها ما يأكلون ويبيعون، ومنازل مهترئة من حجر وطين، وعشرات من المواشي ومختلف الحيوانات الأليفة.. الأرض مصدر رزقهم.. وأشهد أن رجالها مفعمون بالرجولة والعزم والجد.. ونساءها (نساء ونص) دوما ما يقفن بجانب الرجل لمساندته في تحمل أعباء الحياة؛ لأن طبيعة العيش هناك تلغي الفرق بين الرجل والمرأة والطفل عندما يتعلق الأمر بالعمل.. لكن تبقى هذه المصادر للرزق غير مضمونة نظرا لقساوة المناخ هناك من حين لآخر.. ولي ذكريات قاسية وجميلة (في الآن نفسه) في سهول وعلى قمم جبال تلك المنطقة مع معيزي والناي؛ فكم أطربتها بألحان وكم غنيت لها وأنا طفل صغير، وكم طاردت العصافير كالمجنون ونصبت لها الفخاخ.. كم ناجيت الطبيعة هناك، واستمتعت بكل فصولها، بحرها وبردها رغم المعاناة..

وبعض الظروف القاسية جدا، منها بُعْدُ بيتنا على المدرسة كانت السبب في عدم التحاقي بها حتى بلغت من العمر 10 سنوات، لكني رغم تأخري كنت محظوظا أن دخلت المدرسة ومازلت أتابع الدراسة بالجامعة وأخذت زادي من العلم والمعرفة والثقافة. وهناك مِنْ أهل منطقتي مَن لم يدخل المدرسة بتاتا، وقضى كلَّ عمرِه خدمةً للأرض والمواشي كأبي وكل أجدادي.. ولو بقيت هناك لبضع سنوات أخرى لضاعت حياتي حتما. وأقسى طعنة كنت سأتعرض لها هي مغادرتي المدرسة في سن مبكر كَجُلِّ أطفال منطقتي، فالمدارس الإعدادية والثانوية تبعد عن القبيلة بأكثر من 16km..عليك أن تقطع أودية وجبالا، ولا وسيلة نقل خاصة بالتلاميذ تقيلك، كيف لها أن تكون والطريق جبلية وعرة غير معبدة..؟!

أنقذوا هذه الأمة من الجهل تزُل نصفُ مشاكلها..
ولحضراتكم واسع النظر..

رابط مختصر