“المغرب المنتفِع والمغرب المنتفَع به” بقلم ذ.محمد بودهان

مشاهدة
أخر تحديث : الأربعاء 14 فبراير 2018 - 8:32 مساءً
“المغرب المنتفِع والمغرب المنتفَع به” بقلم ذ.محمد بودهان
سلوان سيتي 
المغرب المنتفِع والمغرب المنتفَع به:
مفهوم “المغرب النافع” و”المغرب غير النافع” من المفاهيم السياسية والاقتصادية والسوسيولوجية الخادعة والمضللة والكاذبة، الموروثة عن الحماية الفرنسية، والتي اعتمدتها وطبّقتها ـ ولا تزال ـ دولة الاستقلال في تدبير السياسة المجالية، وتبنّاها ووظّفها مثقفون ومفكرون و”خبراء” لتحليل وفهم وتفسير التفاوت الاقتصادي والتنموي بين جهات المغرب. وتندرج ضمن “المغرب النافع” تلك الحواضر التي حظيت، على مستوى البنيات التحتية والاستثمارات والتنمية الاقتصادية، بعناية خاصة، مثل الرباط والدار البيضاء وفاس ومكناس والقنيطرة، وحتى مراكش وطنجة… والمفترض، كنتيجة يتضمنها مفهوم “المغرب النافع”، أن هذا “المغرب النافع” هو مغرب غني بثرواته “النافعة”، التي مكّنته من التوفر على استثمارات وتجهيزات ومعاهد ومستشفيات وجامعات ومعامل…، جعلت منه “مغربا نافعا”.
ثم ما الذي “تنفعه” هذه المناطق والمدن حتى تستحقّ أن تُنعت بالمغرب “النافع”؟ في الحقيقة لا تنفع إلا نفسها، أي أن نفعها محدود لا يتعدّى تلك المدن والمناطق. فالبنيات التحتية والاستثمارات الاقتصادية والطرق السيارة والمعاهد العليا والمستشفيات الجامعية والمطارات العصرية والمعامل…، التي تتوفر عليها هذه المدن والمناطق، تستفيد منها مباشرة ساكنتها، ولا يستفيد منها باقي سكان المغرب إلا بشكل محدود وغير مباشر. بل لكي يستفيد من هذا “المغرب النافع” غير المنتمين إليه من المغاربة، عليهم أن “ينفعوه” ويساهموا في تنمية اقتصاده من خلال ما ينفقونه من مال يعود بالنفع على هذا “المغرب النافع” هو نفسه، وذلك عندما يضطرون إلى التنقّل إلى مدنه والإقامة بها، كما يفعل الطلاب أو المرضى القادمون من خارج “المغرب النافع” لمتابعة دراستهم بمعاهده وجامعاته، أو طلبا للعلاج لدى أطبّائه ومستشفياته.
أما المقابل “للمغرب النافع”، والذي يلازمه بشكل يجعل منهما ثنائيا لا يمكن الفصل بين عنصريه، فهو “المغرب غير النافع”، والذي يشمل ـ ويُقصد به ـ كل المناطق والجهات الأخرى الموجودة على هامش “المغرب النافع”، مثل المناطق الجبلية كالريف والأطلس، ومثل جهة الجنوب الشرقي… وهي مناطق وجهات لا تحظى بأية عناية من طرف الدولة في ما يخص الاستثمار بها والعمل على تنميتها وتطويرها الاقتصادي، كبناء معاهد عليا وتوفير معامل وإنشاء مستشفيات وخلق شبكة طرقية حديثة وإقامة مطارات… هذه المناطق والجهات تمثّل إذن “المغرب غير النافع” لغياب عوامل وشروط “النفع” بها. والمفترض، كنتيجة يتضمّنها مفهوم “المغرب غير النافع”، أن هذا “المغرب غير النافع” هو إذن مغرب فقير لا يتوفر على ثروات “نافعة”، تمكّنه من التوفر على استثمارات وتجهيزات ومعاهد ومستشفيات وجامعات… وهو ما يُبقيه مغربا عديم النفع، لأنه يفتقر إلى شرط هذا النفع، وهو التوفر على الثروة النافعة.

لكن المعروف أن جلّ الثروات الطبيعية التي يتوفر عليها المغرب، كالمعادن ـ من ذهب وفضة وحديد ونحاس وكوبالت ورصاص ونيكيل… ـ والغاسول (ليس الغاسول المعروف، الذي يستعمل للغسل)، والفوسفاط، والفحم، والخشب (المقصود الغابات التي تُنتجه)، ونبات “الكيف”، وشجر “أركان”، والمياه (جل أنهار المغرب تنبع من جبال الأطلس “غير النافعة”) والتمور والثروة السمكية…، توجد بمناطق “المغرب غير النافع”. بل حتى إيرادات المغرب من العملة الصعبة تأتيه من “المغرب غير النافع”، إذ يشكّل أبناء المناطق “غير النافعة”، المنتمون إلى الريف وسوس والجنوب الشرقي، أكبر جالية مغربية عاملة بالخارج ، والتي تحوّل كل سنة الملايين من العملة الأجنبية إلى الأبناك المغربية.
نخلص إذن إلى أن وصف هذه المناطق بـ”المغرب غير النافع” وصف لا يطابق حقيقة ما تتوفر عليه من “نفع” كثير، يتجلّى في مواردها الطبيعية الوافرة. ولهذا قلت إن مفهوم “المغرب غير النافع”، وكذلك قرينه “المغرب النافع”، مفهوم مخادع ومضلل وكاذب. فهذا المغرب الموسوم بـ”غير النافع” هو، بموارده وثرواته وعمل أبنائه، ذو منافع لا تخفى على أحد. لكن عكس “المغرب النافع”، الذي ينفع مدنه ومناطقه رغم عدم توفره على مثل موارد “المغرب غير النافع”، فإن هذا الأخير لا “ينفع” لا مناطقه ولا ساكنته رغم موارده الطبيعية الكثيرة. فأين تذهب المنافع المتحصَّلة من ثرواته وموارده؟ ولماذا لا يستفيد منها ويوظّفها في تطوير أقاليمه وتأهيلها اقتصاديا، ورفع العزلة والتهميش عنها؟
الجواب، والذي هو بيت القصيد لفهم حقيقة وكذبة “المغرب النافع” و”المغرب غير النافع”، هو أن هذا “المغرب غير النافع”، إن كان لا ينتفع من ثرواته، فذلك لأنه “ينفع” بها، مُكرها لا راضيا، “المغرب النافع”، الذي يستولي عليها ويستغلّها لتنمية المدن والمناطق التابعة له. وهو ما يؤدّي إلى إفقار “المغرب غير النافع”، الغني بثرواته وموارده، وإغناء “المغرب النافع”، الذي لا يتوفر على مثل هذه الثروات والموارد. لدينا إذن مناطق، وهي لا تمثّل إلا نسبة صغيرة من مساحة المغرب، تنتفع من خيرات وموارد مناطق مغربية أخرى، تمثّل النسبة الأكبر من هذه المساحة، لكنها محرومة من الاستفادة من خيراتها ومواردها.
النتيجة أن الوصف المطابق للموصوف ـ خداعا وتضليلا وكذبا ـ بـ”المغرب النافع” و”المغرب غير النافع”، هو المغرب المنتفِع والمغرب المنتفَع به. وهذا هو الوصف الذي سنستعمله في هذه المناقشة، والذي سبق أن خلصنا إليه في موضوع نشرناه في غشت 1998 بالعدد 16 من شهرية “تاويزا”.
مفهوم “الوطن” و”الوطنية” عند “الحركة الوطنية”:
ومن المفاهيم الخادعة والمضلّلة والكاذبة، كذلك، والتي ورثناها عن “الحركة الوطنية”، مفهوم “الوطن”، وما يُشتق منه من “وطنية” و”وطني”. ولا تعني “الوطنية”، كما رسّخت معناها هذه الحركة، الارتباط بأرض الأجداد، الحقيقية وليس المتوهَّمة، والاعتزاز بها وبهم، والدفاع عنها والاستعداد للتضحية من أجلها، وإنما تعني الارتباط بالأمة والاعتزاز بها والدفاع عنها والاستعداد للتضحية من أجلها. وقد يساعدنا المقابل الفرنسي للفظ العربي “وطنية” لتوضيح معناه عند هذه “الحركة الوطنية”. فهي استعملته بمعنى “ناسيوناليسم” Nationalisme، الذي يحيل على “الأمة” Nation، التي يشرح المعجم الفرنسي مدلولها الأول بأنها «جماعة بشرية يربط بين أعضائها أصل حقيقي أو مفترض أنه مشترك…»، وليس بمعنى “باترييوتيسم” Patriotisme، الذي يحيل على أرض الأجداد Patrie، والتي يشرح المعجم الفرنسي مدلولها الأول بأنها «موطن الأجداد، أرض الميلاد». فوطنية “الحركة الوطنية”، لكونها “ناسيوناليسم”، تقوم على الانتماء العرقي إلى مجموعة بشرية، حقيقية أو مفترضة. أما “الوطنية”، بمفهوم “باترييوتيسم”، فهي تقوم على الانتماء إلى وطن حقيقي باعتباره موطنا قائما وموجودا، يشكّل الأصل، الترابي وليس العرقي، للجماعة أو الأمة التي تستقر به وتنتمي إليه باعتباره موطنا لها. وإذا كانت لهذه الجماعة أو الأمة لغة واحدة مشتركة، مع ما يرتبط بها من تاريخ وثقافة وقيم مشتركة، فلأنها لغة تابعة لذلك الموطن، وتسمّى في الغالب باسمه. فالأمة، بمفهوم «جماعة بشرية يربط بين أعضائها أصل حقيقي أو مفترض أنه مشترك…»، تقوم على افتراض الانتماء المشترك إلى عرق مشترك مفترض. أما الأمة، بمفهوم «موطن الأجداد، أرض الميلاد»، فهي تقوم على الانتماء الحقيقي المشترك إلى موطن حقيقي مشترك.
أما “الوطن”، تبعا لهذا المعنى العرقي للوطنية، الذي رسّخه الفكر السياسي “للحركة الوطنية” في المغرب، فهو ما يُعتبر أرضا للأمة التي «يربط بين أعضائها أصل حقيقي أو مفترض أنه مشترك». وما هي هذه الأمة عند “الحركة الوطنية”؟ إنها الأمة العربية المفترضة. وما هو هذا الوطن؟ إنه الوطن العربي المفترض أنه يمتد من الخليج إلى المحيط، حسب العبارة المسكوكة. وينتج عن هذا المفهوم “للوطنية” لدى “الحركة الوطنية”، أن المغرب ليس وطنا إلا بالقدر الذي هو جزء من وطن عربي، أي وطن الأمة العربية. فهو ليس وطنا إلا لأنه عربي. فـ”عروبته” هي هي التي تجعل منه وطنا.
وأين المشكل في هذا الفهم للوطن والوطنية؟ المشكل أن الولاء للوطن نابع من ـ وتابع لـ ـ الولاء للعروبة العرقية التي يتأسس عليها الوطن. فالعروبة العرقية هي التي تحدد إذن، في نهاية المطاف، مفهوم “الوطنية”، كما مارسته وأرسته “الحركة الوطنية”، التي كانت تعني، كما تدل على ذلك اختياراتها السياسية والفكرية والإيديولوجية، “الحركة العروبية” في المغرب الأقصى. وهذا ما يفسّر العداء المرضي لهذه الحركة للأمازيغية، لأن هذه الأخيرة عنوان على انتماء المغرب إلى شمال إفريقيا، وهو ما يتعارض مع مسعى “الحركة الوطنية” لجعل هذا المغرب، متمّمة بذلك سياسة “ليوطي” التعريبية، ذا انتماء مشرقي عربي يستمد هويته من الانتماء إلى الجنس العربي، وليس من الانتماء الترابي إلى شمال إفريقيا.
وبما أن “الوطنية”، كما حددتها ومارستها “الحركة الوطنية”، تعني الدفاع عن عروبة المغرب والوطن العربي للمغرب، فالنتيجة أن من يدافع عن أمازيغية المغرب والأرض الأمازيغية للمغرب، فهو شخص غير وطني. ولهذا أصبحت محاربة الأمازيغية، كما ثبّتت ذلك “الحركة الوطنية”، شرطا “للوطنية” الحقة التي قامت على أسطورة “الظهير البربري”، أي على محاربة الأمازيغية. وهو ما نتج عنه أن العديد من المغاربة اختاروا التحول الجنسي، بتنكّرهم لجنسهم الأمازيغي وانتحالهم للجنس العربي، ليس طلبا “للنسب الشريف” كما فعل الكثير من أجدادهم الأمازيغيين، وإنما حتى يكونوا “وطنيين” ويُبعدوا عنهم تهمة الخيانة والتفرقة. ولهذا لا زال من يطالب بالاعتراف بالهوية الأمازيغية للمغاربة، ويعارض سياسة التحول الجنسي، يُتهم بالانفصال والعنصرية والحنين إلى الاستعمار، تخوينا له وتحريضا عليه.
من المغرب المنتفع إلى الوطنية الانتفاعية:
لكن المشكل لم يقف عند هذا الفهم العروبي والعرقي لفكرة الوطن والوطنية، وإنما المشكل الأكبر هو في مدلول “الوطن” بخصوص المجال الجغرافي، الذي يستحق صفة “الوطن” داخل المغرب، وفي مدلول “الوطنية” بخصوص المنتمين إلى ذلك المجال الجغرافي، والذين يستحقون، بسبب هذا الانتماء، صفة “الوطنية”. لنشرح ذلك بمزيد من التوضيح.
فبما أن مفاهيم “الوطن” و”الوطنية” نشأت داخل المجال الجغرافي “للمغرب المنتفِع”، وعلى يد نخبة تنتمي إلى هذا المغرب المنتفِع، الذي سمّته فرنسا، تحايلا وتضليلا وكذبا، بـ”المغرب النافع”، فقد أصبح “الوطن”، الذي يستحق الاهتمام والعناية والتطوير والتنمية، ينحصر في ذلك الجزء المحدود الذي يشكّله المغرب المنتفِع، كما شرحنا مفهومه ودلالته. أما المغرب الآخر، المنتفَع به، كما شرحنا مفهومه ودلالته، والذي سمّته فرنسا، تمويها وتغليطا وتضليلا، بالمغرب غير النافع، وتسمّيه الصحافة بالمغرب العميق، أي المغرب الحقيقي، فهو ليس وطنا إلا بالقدر الذي “ينفع”، بثرواته الطبيعية وإسهاماته الجبائية وأصواته الانتخابية، المغرب المنتفِع.
ونفس الشيء بالنسبة لمفهوم “الوطنية”، الذي نشأ، هو أيضا، بمدن المغرب المنتفِع، وعلى يد نخبة تنتمي إلى هذا المغرب المنتفِع. فنتج عن طبيعة هذه النشأة لمفهوم “الوطنية”، أن “الوطني” هو “المنتفِع” من المغرب المنتفِع. وكما أن مناطق المغرب المنتفَع به، ليست، كما ذكرنا، وطنا إلا بالقدر الذي تنفع به المغرب المنتفِع، فكذلك المنتمون إلى هذه المناطق ليسوا وطنيين إلا بالقدر الذي يكونون فيه تابعين لـ”وطنيي” المغرب المنتفِع، يساندون ويتبنّوْن “وطنيتهم” القائمة على الانتفاع، أي أنهم ليسوا وطنيين إلا بالقدر الذي ينفعون به “وطنيي” المغرب المنتفِع.
هكذا يكون المغرب وطنا يتشكّل من مركز هو المغرب المنتفِع، يمثّل الوطن الحقيقي، ومن هامش هو المغرب المنتفَع به، يستمد صفة الوطن من تبعيته وخدمته لهذا المركز، أي الوطن الحقيقي. أما الشعب المغربي فيتشكّل، موازاة لثنائية المركز والهامش، من نخبة من “الوطنيين” الذين يستمدون “وطنيتهم” من انتفاعهم من المغرب المنتفِع، الذي هو بمثابة مركز الوطن، ومن أغلبية من المنتمين إلى مغرب الهامش، أي المغرب المنتفَع به، أو المغرب غير النافع كما سمته فرنسا، والذين عليهم، إن أرادوا أن ينالوا صفة “وطنيين”، أن يستمدّوها، ليس من الانتفاع من مغربهم المنتفَع به، كما عند “وطنيي” المركز، بل من مقدار “نفعهم” لهؤلاء من خلال التبعية الفكرية والإيديولوجية والحزبية لهم، وتأييد “وطنيتهم” الانتفاعية.
هكذا ورث المنتفعون، الذين سمّوا أنفسهم بـ”الوطنيين”، المغرب المنتفِع من حاميتهم فرنسا. وباعتبارهم منتفعين ينتمون إلى “المغرب المنتفع”، فقد أصبحوا يمثلون نموذج “الوطنية” الحقة، أي وطنية الانتفاع من الوطن. وحتى يُشركوا مغاربة الهامش في قليل من “وطنيتهم”، ويجودوا عليهم ببعض فتات انتفاعهم، اشترطوا عليهم المشاركة في التمثيلية الانتخابية التي تجري كل خمس سنوات بالنسبة للانتخابات التشريعية، وكل ست سنوات بالنسبة للانتخابات المحلية. وهذه التمثيلية وسيلة تضمن انتفاعا هامشيا لأبناء مغرب الهامش، وتضمن دعم هؤلاء لمفهوم “الوطنية” كما يحدده كبار “الوطنيين”، أي كبار المنتفعين من الوطن. أما إذا طعن هؤلاء المنتمون إلى المغرب المنتفَع به، أي مغرب الهامش، في “وطنية” نخبة المنتمين إلى المغرب المنتفِع، وجاهروا أنهم مجرد مجموعة من الانتهازيين والانتفاعيين الذين يستغلّون خيرات الوطن لمصالحهم الشخصية، فسيُتّهمون بأنهم لاوطنيون وانفصاليون يحرّضون على الفتنة، ويخدمون أجندة خصوم المغرب والوطن.
ظل المغرب المنتفِع يمثّل إذن مركز الوطن، بل الوطن الحقيقي والمغرب الحقيقي الكامل، وظل المغرب المنتفع به يمثّل هامشه، أي المغرب الناقص والوطن الأقل، الذي ينحصر دوره “الوطني” في نفع وخدمة المركز. وفي إطار هذا التمييز بين الوطن الحقيقي، الذي يمثله المغرب المنتفِع، باعتباره المغربَ الحقيقي والكامل، ووطن الهامش، الذي يمثله المغرب المنتفَع به، باعتباره مغربا ناقصا، يجب فهم سؤال القاضي، رئيس جلسة محاكمة المعتقلين الريفيين بالدار البيضاء ليوم فاتح فبراير 2018، عندما طرح على أحد هؤلاء المعتقلين هذا السؤال: «هل أنت مغربي؟». فالسؤال لا يبدو غريبا إلا إذا حصرنا غايته ومعناه في ظاهره اللفظي الذي ينطق به، وهو التشكيك في مغربية المعتقل. لكن سيكون سؤالا عاديا ومعقولا عندما نربطه بانتماء المعتقل إلى مغرب الهامش، أي المغرب الناقص والأقلّ. فالتشكيك هنا في انتماء المستجوَب إلى المغرب الحقيقي والكامل، هو تشكيك معقول وفي محلّه. وحتى إذا كان قصد القاضي هو ضبط المتهم “متلبّسا” بالقول إنه ريفي، فإن ذلك سيؤكد أنه “ناقص” في مغربيته لأنه ابن مغرب الهامش، أي المغرب الناقص، مقارنة مع المغرب المنتفِع الذي يمثل ـ كما شرحت ـ المغرب الحقيقي والكامل. فالسؤال: “هل أنت مغربي؟” يعني إذن، على هذا المستوى من التمييز بين مغرب المركز ومغرب الهامش: هل أنت تنتمي إلى المغرب المعترف به كمغرب حقيقي وكامل، أم فقط إلى مغرب الهامش، أي المغرب الناقص والأقلّ؟
بجانب هذه الثنائية ـ المنتفِع والمنتفَع به ـ، وكنتيجة لها، ظل المنتفعون من المغرب المنتفِع يمثّلون النموذج المثالي لقيم “الوطنية” و”حب الوطن”، أي حب الانتفاع من الوطن. فأصبح الوطن/المركز، أو المغرب المنتفع، هو القطب الذي يدور كل شيء حوله ويرتبط به ويتوقف عليه: فضرائب مغرب الهامش يتصرّف فيها مغرب المركز، والثروات الطبيعية لهذا الهامش يستغلها ويستفيد منها مغرب المركز، والديموقراطية هي المشاركة في التمثيليات الانتخابية التي يؤلّفها ويهيئها ويُخرجها “وطنيو” المركز، والوطنية هي تبنّي المفهوم الانتفاعي للوطنية كما بلوره ورسّخه واستعمله واستفاد منه و”طنيو” المركز…
حراك الريف وتصحيح مفهوم الوطنية:
بقيت الأمور على هذا الحال من نهب للوطن باسم الوطنية، كما صاغ مفهومها المنتفعون من الوطن، حسب ما سبق شرحه، إلى يوم اغتيال الشهيد محسن فكري في 28 أكتوبر 2016 بالحسيمة، وما تسبّب فيه ـ ذلك الاغتيال ـ وأعقبه من حراك شعبي واجتماعي شارك فيه عشرات الآلاف من المتظاهرين في مسيرات سلمية، عملاقة وحاشدة. وبما أن نهب ثروات المنطقة (السمكية بخصوص هذه الواقعة) كانت سببا مباشرا لاغتيال الشهيد محسن، فإن حراك الريف، الذي اندلع بعد جريمة هذا الاغتيال، طرح، وبحدة، مسألة نهب ثروات مغرب الهامش، أي المغرب المنتفع به، من طرف مغرب المركز، أي المغرب المنتفع، ليستفيد منها أصحاب وطنية النهب والانتفاع المنتمين لنفس المغرب المنتفع.
لقد أزال هذا الحراك الغطاء عن المفهوم الزائف والانتفاعي الانتهازي للوطنية، فانكشف أمام الملأ أن باسم هذه الوطنية، الزائفة والانتفاعية الانتهازية، يٌنهب الوطن، ويُسرق المواطنون، ويُستولى على ثروات أراضيهم وبحارهم. وهو ما اعترفت به السلطة، بشكل ضمني وغير مباشر، عندما اعترفت، وبشكل صريح ومباشر، بفشل النموذج التنموي المتّبع، لأنه قائم على الريع والفساد، وعلى نهب المركز لثروات الهامش، وعلى تحويل المغرب، بكل ثرواته وخيراته ومؤهلاته، إلى مصدر للإثراء بلا سبب لـ”وطنيي” المغرب المنتفِع. لقد نجح هؤلاء المنتفعون، باسم وطنية الريع والفساد والزيف، في خداع الشعب بمفاهيم “الوطن” و”الوطنية” و”حب الوطن”، في الوقت الذي ينهبون فيه هذا الوطن كأسلوب وحيد لإظهار حبهم له، ويستخدمونه لمصالحهم الشخصية كتعبير منهم عن خدمتهم له، ويُفقرونه باغتنائهم به كدليل على “وطنيتهم” التي لا يخجلون من التبجح بها. فبئس الوطنية التي باسمها يُنهب الوطن، وبئس الانتهازيون والانتفاعيون الذين يغتصبون الوطن، ثم يتظاهرون بحبّهم له كما لو أنهم يريدون تقديم الشهادة على جُرْمهم في حق هذا الوطن.
حراك الريف هو انتفاضة ضد هذا النوع من “الوطنية”: وطنية المغرب المنتفِع، وطنية الظلم والنهب والريع، وطنية “المحميين الجدد”، وطنية الفساد والاستبداد، وطنية باحتقار الذات (عنوان كتاب للدكتور مصطفى قادري)، وطنية بالتحول الجنسي الهوياتي والقومي، وطنية مركزة المركز وتهميش الهامش، وطنية تُغني الغني وتُفقر الفقير، وطنية تملك أوطانها خارج الوطن، في فلسطين وعند جماعة الإخوان المسلمين والبعث العربي… حراك الريف تصحيح لمفهوم الوطنية واعتراف بوجودها الحقيقي، ليس في الرباط ومقرات أحزابها ونقاشات برلمانها ووزارات حكومتها المحكومة، بل في الدواوير والقرى النائية والمهمّشة، في أنفكو وأغبالة وتماسينت وإيساكن وجرادة وإيميضر وفزو وأملاكو وزاكورة…، وبوعلام بإقليم الصويرة حيث “قتلت” الوطنية الزائفة 15 امرأة جئن يبتغين كسرة خبز تجود بها عليهن هذه الوطنية الزائفة…
الحراك يؤسس لمفهوم جديد لوطن جديد، يكون مركزه ليس المغرب المنتفِع، بل المغرب الصانع الحقيقي والنافع الحقيقي للوطن، والذي يتشكّل مما يعتبره المغرب المنتفِع مجرد هوامش لا تستحق من هذا الوطن إلا ما يناسب موقعها الهامشي، وطن جديد ينبني على عدالة مجالية تضع حدا لاستغلال المغرب المنتفِع للمغرب المنتفَع به، ويرد الاعتبار للهامش ولمواطني الهامش، ولثقافة ولغة الهامش، الذي ليس هامشا إلا لأن المنتفعين من المغرب المنتفِع همّشوه وأفقروه ونهبوه واستغلوه. وقد تجلّت مظاهر هذا التصحيح والتجديد لمفهومي الوطنية والوطن في أن التاريخ الحقيقي لم يعدْ يصنعه، منذ انطلاق الشرارة الأولى للحراك، وطنيو الانتفاع والريع بالمركز الذي يمثّله المغرب المنتفِع، بل يصنعه “الهامشيون” بالمغرب المهمّش، في الحسيمة وجرادة وزاكورة وأوطاط الحاج وإيميضر… وعندما أقول إن التاريخ لم يعدْ يصنعه وطنيو الانتفاع، فلا يعني ذلك أنهم سبقوا أن صنعوا هذا التاريخ. فكل ما فعلوه أنهم نهبوا التاريخ الذي صنعه الوطنيون الحقيقيون، الذين يعتبرونهم هامشيين ينتمون إلى المغرب الذي يصفونه بالهامشي، واستولوا عليه (التاريخ) ونسبوه لأنفسهم كما فعلوا بثروات الوطن وموارده وخيراته.
حراك الريف تعبير عن بزوغ وعي وطني جديد يقطع مع وطنية “اللطيف” (قراءة اللطيف الشهير الذي كان بداية لنشأة ما يسمّى بالحركة الوطنية) والزيف والريع والفساد والاستبداد، والمركز، أي المغرب المنتفِع، تدشينا لوطنية صادقة حقيقية تنبع من معاناة المهمّشين من أبناء المغرب المهمّش، أي المغرب المنتفَع به. ومن تجليات هذه الوطنية الصادقة والحقيقية المطالبة بمحاسبة الفاسدين والمفسدين من المنتفعين المحسوبين على المغرب المنتفع، الذين حوّلوا أربعة أخماس من المغرب إلى هامش فقير متخلف، مظلوم ومهضوم الحق، كثمن لاستمرارهم في الاغتناء بتفقيره والتمركز بتهميشه والاستقواء بإضعافه، والانتفاع بنهب ثرواته وموارده. ومن هنا نفهم لماذا أرعب حراك الهامش والمهمّشين أصحابَ الوطنية الانتفاعية والريعية المنتمين إلى المركز، أي المغرب المنتفِع. أرعبهم لأنهم رأوا فيها تهديدا لانتفاعهم وريعهم. ومعروف في تاريخ المغرب أن أشدّ ما كان يخيف المركز المخزني، الممثل للمغرب المنتفِع، هو ثورة سكان مغرب الهامش ضد ظلم المركز وفساده وتسلطه واستبداده، ونهبه لثرواتهم ومواردهم من خلال ما كان يفرضه عليهم من جبايات ظالمة كانت مرادفا للسطو والاستيلاء والمصادرة. ولأن هؤلاء السكان، المنتمين لمغرب الهامش، كانوا رافضين لظلم وتسلط رجال المخزن، فقد سمّى هؤلاء رفضهم لذلك الظلم والتسلّط بـ”السيبة”، أي التمرد على المخزن والخروج عن “قانونه”، أي عن ظلمه وتسلّطه. أما المنتفعون الجدد، المشكّلون لرجال المخزن المعاصر، المنتمون للمغرب المنتفِع، فقد سموا موقف الرافضين الجدد لظلم المخزن ورجاله الذين يدورون في فلكه، بـ”الفتنة” و”الانفصال” والمسّ بأمن الدولة. وهذا الموقف هو، بالنسبة لهؤلاء المنتفعين، فتنة لأنه يفضح تسلّطهم وانتفاعهم ووطنيتهم الانتهازية الزائفة، وانفصال لأنه يهدد بفصلهم عما يستفيدون به من ريع وفيء ومغانم، ومسّ بأمن الدولة لأنه مسّ بمصالهم وامتيازاتهم وثرائهم غير المشروع….
لقد اضطر المخزن إلى الاستنجاد بالاستعمار لحمايته من غضب مغرب الهامش في بداية القرن العشرين. أما اليوم فلن يحميه من هذا الغضب إلا إنصاف المناطق المهمّشة، وإعادة توزيع ثروات الوطن بشكل عادل، ورفع الإقصاء والظلم والتسلط عن مغرب الهامش، ووضع حدّ لاستغلاله من قبل مغرب المركز، ونهج سياسة تمييزية جدية لصالح هذا المغرب المهمّش لجبر الضرر الذي ألحقته به سياسة الانتفاع من ثرواته لفائدة المغرب المنتفِع، وإشاعة قيم الديموقراطية والعدل، مع ما يستتبع كل ذلك من ضرورة تبنّ وترسيخ لوطنية حقيقية تقوم على الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، وقطعٍ مع الوطنية الانتفاعية والانتهازية ذات الأصول “اللطيفية”.
محمد بودهان

 عن : دليل الريف

رابط مختصر