إمبراطورية الباعة الجائلين، امكانيات الحل:إنشاء “سوق اليوم الواحد”..أفضل من فوضى الشوارع

مشاهدة
أخر تحديث : الجمعة 8 سبتمبر 2017 - 12:30 صباحًا
إمبراطورية الباعة الجائلين، امكانيات الحل:إنشاء “سوق اليوم الواحد”..أفضل من فوضى الشوارع

سلوان سيتي 

محمد بوتخريط . هولندا
 – إمبراطورية الباعة الجائلين،
امكانيات الحل:إنشاء “سوق اليوم الواحد”..أفضل من فوضى الشوارع.

مع انطلاق أولى ساعات الفجر، تعلوا الاصوات ،  يُفرض حظر التجوال في الشوارع العامة وعلى الارصفة ، تُمنع الارصفة على الراجلين ، ونصف الشوارع على السائقين ، يستيقظ الفرَّاشة الجائلين لعرض سلعهم وبضائعهم، وسط جلبة المتسكعين والمدمنين والحمالين و…الباعة الجائلين الذين يهرولون لحيازة أمكنتهم التي أصبحت بالتقادم ملكا خاصا لهم،  لتنطلق عمليات البيع والشراء. الزبون يتفنن في عملية طلب السعر، فيما يتسمك التاجر المتجول بيع السلع بالأسعار التي يريد ، إلى حين تراجع أحد الطرفين عن قراره.

تستمر الفوضى طيلة النهار، الشارع يتغير في رمشة عين ليتحول من وظيفته إلى ما يشبه سوق أسبوعي .
بعد آذان صلاة العشاء وانتهائها يرحل الجميع مخلفين وراءهم مهملاتهم من الأزبال والنفايات، ليفسح المجال لفوج آخر جديد ليطل تدريجيا على المكان، إنهم “الشماكرية” ومدمنو الكحول الذين يأتون للبحث بين الفضلات .. لإكمال سهرتهم مع كحول رخيص ومَاحيا أرخص و لاصاق سليسيون و لفافة حشيش، لتبدأ فوضى أخرى من ضجيج وصراخ وتبادل للكلمات النابية.

هو ذا حال الشوارع والارصفة في المدينة ، تتحول الى مكان وقِح تتجمع فيه قمامة المدينة كلها كل صباح وقبيل العصر الى آخر المساء.
والامر طبعا معلوم، ومعروف لدى الجميع بل أن الحديث عنه اصبح فعلا تحصيل حاصل.
ظاهرة اختلفت الأراء حولها ما بين مؤيد لمحاربتها والقضاء عليها تماماً ومؤيد لضرورة احتوائها والتعامل معها بطرق أكثر جدية و إيجابية .. “الباعة الجائلين” .. ظاهرة انتشرت وتزايدت وأصبحت واقعا نعيشه رغما عنا بل ونتعايش معه يوميا بكل سلبياته وإيجابياته.

نعم..!
نعلم كل هذا ، ويعلمه الجميع.. ونعلم جيدا أن الظاهرة انتشرت بهذه السرعة الجنونية وتزايدت نتيجة للفوضي التي يعرفها “تدبيرها”.. كما نعلم جميعا أن علاجها قد يستغرق وقتا طويلا جدا.

لكن وفي خضم هذا الوضع ، هل سنكتفي فقط وكعادتنا بالنقد ، دون التفكير في تقديم الحلول؟
أي الخطوات اتخذتها المصالح المعنية للحد من هذه الظاهرة ؟
أتذكر مع أقليات المتذكرين كل “الحلول”  ، وسواها أكثر وأفجع، أتذكر على سبيل المثال لا الحصر أن رئيس المجلس البلدي للمدينة كان قد زار هولندا بل والتقى بعمدة اكبر المدن الهولندية ، اللقاء الذي قيل عنه انه “من أجل تبادل مجموعة من الأفكار والمعطيات بين الطرفين حول مدينة الناظور ومستقبلها، وأن “عمدة المدينة إياها (أحمد بوطالب) أكد عن إستعداده للتعاون مع رئيس المجلس البلدي للناظور، لخلق شراكة بين المدينتين، وكذلك لإنجاز بعض المشاريع بإقليم الناظور. ”
فلماذا لم يبحث عن حلول لهذه الظاهرة، خاصة وأن هولندا تعرف ما يشبهها ، ولو في صور مغايرة ومختلفة وهو ما يمكن ان نطلق عليه “سوق اليوم الواحد”.
وإن تبنته السلطات المعنية بالناظور بما فيها رئيس المجلس البلدي سيتم على الاقل القضاء على تكدس الباعة الجائلين فى وسط المدينة ، من ميادين عامة ومناطق سكنية وشوارع تجارية وأمام دور العبادة والادارات العمومية ، وهي أماكن أصبح تواجد الباعة الجائلين فيها من الأمور التي اعتاد المواطن الناظوري على رؤيتها بصورة دائمة ، بل وتحولت هذه المعضلة إلى مرض مزمن أصاب كل المجالس المتعاقبة ، كون جميع السلطات المكلفة وقفت عاجزة عن حل مشاكلهم وبالتالي أصبحت عمليات الفر والكر والمطاردات والغرامات هو الحل بل اصبح أمرا طبيعيا .

فلماذا لا تفكر ذات السلطات في سن قوانين تنظم عمل هؤلاء الباعة ، وتخصص لهم أماكن خاصة، وتحدد مكاتب التخطيط في البلدية نمط وطبيعة أماكن البيع.
كأن يُقام مثلا سوق كل أسبوع في مكان مختلف يجمع كل الباعة الجائلين، في أيام محددة، وكل يوم في حي مختلف من أحياء المدينة، أو في شارع من شوارعها ، كما هو معمول به في دول عديدة كما في هولندا التي أعايش فيها مثل هذه الاسواق . وهي تختلف عن الأسواق الشعبية العامة التي تقام في مناطق مخصصة لها وتقوم بنشاطها بصفة دائمة.
وبهذا ستكتسي أهمية أكبر، وستحظى بشعبية واسعة بين السكان والزوار  على حد سواء.
وإن لم توجد مساحة فارغة او مكان فارغ ، فليكن السوق على طول شارع ما ويتم مثلا اغلاق الطريق أمام حركة المرور من التاسعة صباحاً إلى الخامسة من مساء ذات اليوم ، لإنعقاد “السوق”  ، ولنسميه “سوق الباعة الجائلين”.
ولا بأس من أن تؤجر مساحة لهؤلاء ولكل الذين يريدون بيع بضائعهم من  السلع المستخدمة، والسلع ذات الجودة المنخفضة ، بأسعار رمزية و منخفظة جدا … وتقام هذه الاسواق نهارا في الهواء الطلق…وبهذا لا يتحمل البائع أي تكاليف لإيجار الأرض أو تكاليف الكهرباء للإضاءة أو التبريد أو تكييف الهواء.
يكفي هؤلاء الباعة الجائلين طاولات أو أفرشة للبيع ، تشمل كل البضائع  ولما لا حتى الأطعمة المعدة سلفا.
وبالنسبة للأحياء والشوارع التي تكون فيها هذه الاسواق فستكون ذات الاسواق بمثابة وسيلة روابط اجتماعية واحتكاك تجاري مفيد لكل الأطراف ، ويسفر عن تجمع الزبائن في مكان واحد توليد نشاط تجاري للكثير من المقاهي والمتاجر الأخرى . كما سيتم الاعتناء بالأماكن العامة التي تجري فيها السوق دوريا. وستشجع هذه الأسواق على زيارة أهالي المدن والأحياء المجاورة إلى موقع السوق فيزداد ازدهار الحي الذي تقام فيه .
قد يقصد تلك الاماكن ، زوار المدن والمسافرين، وتشدهم بتنوع معروضاتها، وتدفعهم ميزة رخص أسعارها ، إلى زيارتها والشراء والتسوق منها.
هكذا سنكون قد حاولنا من جهة التقليص من فوضى هؤلاء الباعة، ومن جهة أخرى خلق فرص جديدة للشغل ولنوع من انتعاش اقتصادي في اماكن أخرى من احياء المدينة.
دعوا المدينة تحلم ، نحن بحاجة إلى الأحلام الموازية لكل القدرات والطاقات . نحن بحاجة إلى عناصر البناء التي تشارك في النهوض والارتقاء.
نحن بحاجة إلى قلوب بسعة هذا الريف وصفاء سمائه وسخاء أهله . نحن بحاجة إلى من يعمل ولا من (وفقط ) ينتقد.
تعودنا دائما أن ننتقد الشخوص.. الزمان …المكان ، وكل ما أو من تقع عليه أعيننا.. ولم نفكر يوما بأن نحاول أن نقدم حلولا.
تعودنا تحميل المسؤوليات للآخر.. ونسينا بأننا أول من يتحمل المسؤولية!
وتعودنا توزيع التهم جزافا على الآخرين في سلبيات مجتمعنا وحياتنا..في الفساد الذي نعاني منه جميعا, واعتقدنا بأننا أسمى من أية تهمة!

خلاصة الحكاية ،أن لإمبراطورية الباعة الجائلين، حل وحلول ، وبدل استمرار الدولة في تغليظ العقوبات والتعامل مع الظاهرة على انها مخالفات قانونية لا اقل و لا اكثر وتنحاز الى المقترحات التى يتقدم بها اصحاب المصالح وتهرب الى التصريحات الصحفية الخاوية المضمون ، المقتصرة على الاحلام والوعود.. أن تفكر في الحلول !
وأن إنشاء “سوق اليوم الواحد” مثلا.. أفضل من فوضى الشوارع …ومن كل الوعود.

رابط مختصر