أربعينية “إزم”: الرسالة والدلالة

مشاهدة
أخر تحديث : الثلاثاء 8 مارس 2016 - 5:37 مساءً
أربعينية “إزم”: الرسالة والدلالة
سلوان سيتي /

أُقيم، يوم السبت خامس مارس بجماعة “إكنيون” التابعة لإقليم “تنغير”، حفل إحياء الذكرى الأربعينية لاغتيال الشهيد عمر خالق، الذي يعرف بـ”إزم” داخل الحركة الأمازيغية. قد يبدو الأمر عاديا ويدخل في إطار الموروث الديني والثقافي للمغاربة. لكن عندما يحضر هذه الذكرى عشرات الآلاف ـ نعم عشرات الآلاف ـ ومن كل جهات المغرب، وبمنطقة نائية ومعزولة يتطلب الوصول إليها سفرا طويلا وجهدا كبيرا، فإن الذكرى تتجاوز ما هو ديني واجتماعي لتصبح لها دلالة أخرى وبعد آخر. فعلى سبيل المقارنة، لم يكن حتى وزير الداخلية الأسبق، الراحل إدريس البصري، يستطيع تجميع ولو فقط عُشر عدد الذين شاركوا في أربعينية “إزم”، لحضور احتفالات رسمية ومخزنية، رغم ما كان يلجأ إليه لأجل ذلك من ترغيب وترهيب، وما كان يستعمله من إمكانات الدولة، وما كان يصدره من تعليمات للسلطات المحلية لنقل المواطنين، عبر حافلات وشاحنات يخصصها لهذه المهمة، من القرى والمداشر لحضور الحفل المعني.

هؤلاء الآلاف من المشاركين في أربعينية “إزم”، لم يحجّوا إلى قبر متوفّى عادي للترحم عليه والدعاء له، بل إلى قبر شهيد مات من أجلهم، من أجل قضيتهم، من أجل أمازيغية المغرب، ومن أجل الوحدة الترابية للمغرب، ومن أجل أمازيغية صحراء المغرب… فاغتياله لا يهم فقط المهتمين بالأمازيغية، بل يهم كل المغاربة المعنيين بقضية وحدتهم الترابية، لأن الذين اغتالوه هم أتباع عصابة “البوليساريو” المناوئين للوحدة الترابية للمغرب. ولم يغتالوه لأنه يدافع عن الأمازيغية، بل اغتالوه لأنه يدافع عن أمازيغية الصحراء المغربية، ويعارض بشدة إقامة كيان سياسي عروبي على أرض أمازيغية. هذا ما يجعل من “إزم” شهيد الأمازيغية وشهيد الوحدة الترابية. وهذا ما يجعل من اغتياله شأنا يعني كل المغرب وكل المغاربة.

بحضور هذه العشرات من آلاف المغاربة إلى “إكنيون” للمشاركة في أربعينيته، يكون عمر خالق “إزم” قد “انتقم” من إجحاف الدولة في حق منطقته، التي أبقتها مهمشة ومعزولة، مجهولة وشبه محاصرة، مع أن الإنصاف كان يقتضي أن تكون موضوع اهتمام تمييزي خاص، اعترافا بالتضحيات التي قدمتها دفاعا عن الوطن، كما يشهد على ذلك أن فرنسا، التي سيطرت على المغرب في أقل من عشر سنوات من الاحتلال، لم تستطع السيطرة على هذه المنطقة إلا في 1934 بسبب شراسة مقاومة أبنائها للاحتلال الفرنسي، الذين أعطوا المستعمر درسا بليغا في المقاومة والشهامة والتضحية أثناء معركة “بوكافر” الشهيرة بجبل “صاغرو”، المطل على قبر “إزم” الذي يرقد أسفل هذا الجبل الشامخ شموخ سكان وأبناء المنطقة، والذي كتب على سفحه، وبالأمازيغية طبعا، اسم “إزم” بأحجار ملونة بالأبيض، يرى ويقرأ على بعد أزيد من كيلومترين. “إزم” “ينتقم” اليوم من هذا الإجحاف والنكران للجميل بتحويل منطقته المعزولة والمجهولة إلى منطقة مشهورة ومعروفة، بل جعل منها في هذا اليوم، الخامس من مارس 2016، عاصمة للمغرب وللأمازيغية لتوافد عشرات الآلاف من المغاربة عليها، ولرفرفرة مئات أعلام الهوية الأمازيغية بربوعها. هكذا يكون موت “إزم” موتا من أجل البعث والحياة.

المدهش في الأمر أن كل هذه الأعداد الغفيرة من الزوار، كانت تتحرك وتتنقل، ما بين قبر “إزم” ومكان التجمّع، بنظام وانضباط وأمان، وهو شيء نادرا ما يتحقق في مثل هذه التجمعات الجماهيرية الضخمة، وحتى عندما تكون هناك قوات وأجهزة خاصة لحفظ الأمن والنظام. فما سر هذا الانضباط الذي ميّز هذا الملتقى التأبيني الكبير، الذي جمع العشرات من الآلاف في مكان واحد وفي وقت واحد؟ السر هو غياب القوات والأجهزة الرسمية لحفظ الأمن والنظام. ففي هذا التجمّع العملاق، ساهمت السلطات بالفعل في استتباب الأمن والانضباط، وذلك بالتزامها الحياد وعدم تدخلها لحفظ الأمن والنظام بطريقتها الفظة، المستفزة والمتعجرفة التي تتسبب عادة في اختلال الأمن والنظام. وقد لمسنا معاملة جديدة غير مألوفة عند رجال الدرك الذين كانوا مرابطين في مدخل “إكنيون”، والذين تواصلوا معنا، ونحن في طريق العودة إلى “تنغير”، بالأمازيغية التي تحدثوها معنا كلهم، وهم ثلاثة. وعندما روينا ذلك لمجموعة من الرفاق فسّروا الأمر، وذلك لأنهم لم يتعودوا على رجال أمن يستعملون الأمازيغية مع المواطنين أثناء قيامهم بمهامهم الرسمية، بأن هؤلاء الدركيين قد يكونون اختيروا لهذا الغرض ولهذه المناسبة. عدم تدخل السلطات إذن هو الذي يفسّر النظام التلقائي الذي ساد تخليد الذكرى الأربعينية لـ”إزم”، رغم عشرات الآلاف من الحاضرين والمشاركين، دون نسيان الدور الكبير للجان المحلية التي وفّرت كل شروط نجاح الملتقى، بما فيها نصب الخيام، وإعداد موقف للسيارات، وتحضير وجبة غذاء للحاضرين… وحتى فرضية تسلل عناصر “معادية” بهدف إثارة الفوضى والاضطراب وإفشال الحفل، كما يحدث في حالات مماثلة، لم تكن واردة ولا ممكنة بسبب الإشراف المحلي المباشر للسكان على تنظيم الملتقى.

واللافت أكثر أن الحاضرين والمشاركين هم من كلا الجنسين، ويمثلون جميع الفئات العمرية وجميع الطبقات الاجتماعية، من صغار وكبار، من شبان ومسنّين، من فلاحين وطلبة، من مثقفين وعمال يدويين، من أستاذات وربات بيوت… مما يبيّن أن القضية الأمازيغية لم تعد، بمناطق الجنوب الشرقي، خاصة بنخبة محدودة، ضعيفة الارتباط بالشعب والمجتمع، بل هي قضية كل السكان، كيفما كان مستواهم الثقافي والاقتصادي والاجتماعي.

وقد كان مثيرا للانتباه أن المرأة كانت حاضرة بنفس مستوى حضور الرجل أو أكثر من ذلك، ودون ـ بلا شك ـ أن تكون هؤلاء النساء عضوات في جمعيات المناصفة والدفاع عن حقوق المرأة. ومع ذلك لم يكن هناك اختلاط، بل خصصت للنساء خيام مستقلة عن خيام الرجال. كما أن المرأة لا تراها سافرة، بل تغطّي رأسها بحجاب خاص. إلا أن الملاحَظ هو أن هذا الحجاب ـ إذا جاز أن نسميه حجابا ـ لم يأت من أفغانستان أو من السعودية، مثل أشكال الحجاب الجديدة المنتشرة في العديد من حواضر المغرب، بل هو حجاب من صنع محلي أمازيغي أصيل، يظهر حتى في بعص الصور القديمة، بالأبيض والأسود، التي ترجع إلى خمسينيات القرن الماضي. فكل شيء بالجنوب الشرقي هو أصيل لأنه أمازيغي. وحتى الإسلام هنا فهو أصيل، أي لم تفسده بعدُ المذاهب القادمة من المشرق، كما نجد في العديد من المدن المغربية. ولهذا تمثّل هذه المناطق المغربَ الحقيقيَ، وليس المغرب الزائف المعرّب، والمغرب العميق، وليس المغرب السطحي المصنوع والمصبوغ، أي تمثّل المغرب الأمازيغي. ولا شك أن التهميش والعزلة يمنعان التعريب من أن يعبث بما هو مغربي أصيل، كما فعل بمناطق أخرى كثيرة بالشمال والجنوب.

وأمام التهميش والعزلة اللذين تعرفهما مناطق الجنوب الشرقي، نتفاجأ عندما نكتشف، كما وقفنا على ذلك من خلال الذين كان لنا شرف الالتقاء بهم، أن العديد من الأطباء الكبار، والمهندسين المتفوقين، وعلماء الرياضيات الموهوبين، والكتاب والمفكرين المرموقين…، هم أبناء الجنوب الشرقي. فهذه الأرض الطيبة لا تبخل عن العطاء والتضحية سواء زمن المقاومة والاستعمار، أو في زمن التهميش والعزلة والحصار. والمرحوم عمر خالق، “إزم”، هو واحد من هؤلاء الشهداء الذين جادت بهم هذه الأرض المباركة. بل يمكن اعتباره عريس الشهداء لأنه:

ـ قتل وهو شاب ابن 25 سنة، انتُزعت منه الحياة وانتُزع منها، وهو لا يزال في بدايتها، مع كل ما كان مفتوحا أمامه من مستقبل وآمال ومشاريع.

ـ قتل غدرا وغيلة، وليس في مواجهة متكافئة، مفتوحة ومباشرة.

ـ قُتل من أجل القضية الأمازيغية ومن أجل الأرض الأمازيغية للصحراء المغربية.

ـ ولهذا كان قتله اغتيالا سياسيا بامتياز، تتوفر فيه كل شروط الاغتيال السياسي، لأن عصابة “البوليساريو” خططت للتخلص من أحد أبرز قادة الحركة الأمازيغية الذي كان يشكّل خطرا على الإيديولوجية الانفصالية لعصابة “البوليساريو”.

لكن هذه الإيديولوجية الانفصالية، من خلقها وزرع جرثومتها في المغرب؟ لقد خلقتها وزرعتها النزعة الأمازيغوفوبية، التي تشحن عقول المغاربة، منذ 1930، بالعداء لأمازيغيتهم واحتقارها والتنكر لها. وقد بلغ هذا العداء قمته عند عصابة “البوليساريو” التي تدعو إلى الانفصال نهائيا عن المغرب لأنهم يعتبرونه أمازيغيا. ولهذا سموا انفصالهم بالجمهورية العربية الصحراوية، تأكيدا على أنهم ليسوا أمازيغيين مثل المغاربة. فلو كان قصدهم هو الانفصال السياسي فقط عن المغرب، لسموا انفصالهم بالجمهورية الصحراوية، وهي تسمية تفي بغرض الانفصال، وليس بالجمهورية العربية. فانفصالهم ليس سياسيا فحسب، بل هو هوياتي أيضا. وهذا ما يفسّر أن “البوليساريو” تعتبر الحركة الأمازيغية عدوهم الأول بالمغرب، لأنها ترفض إقامة كيان عروبي قومي على أرض أمازيغية. وهذا هو السبب في اغتيالهم لأحد قادتها الذي هو الشهيد “إزم”.

كيف وصلت الأيادي الآثمة “للبوليساريو” إلى رحاب الجامعة المغربية؟ أحد الأسباب هو تساهل السلطات المغربية مع عصابات “البوليساريو” الطلابية، وتمتيعها بامتيازات ريعية كثيرة، حوّل هذه العصابات إلى شبه دولة داخل الدولة، وهو ما شجّعها على الانتقال من الدعوة إلى الانفصال إلى الدعوة إلى الاغتيال السياسي للمعارضين لمشروعها الانفصالي. وما يحفّز كذلك المنتمين لهذه العصابة الانفصالية على مثل هذا الاغتيال السياسي، هو أنهم متأكدون بأنهم لن يقضوا إلا فترة وجيزة ورمزية فقط في السجن، قبل أن يستفيدوا من العفو الذي ينتظرهم، كما حصل مع العديد من المتورطين منهم في جرائم اعتداء وقتل. بل لقد تم العفو على مجرمين منهم قتلوا رجال شرطة وتبوّلوا على العلم الوطني، لكن استثني من هذا العفو المعتقلون السياسيون للقضية الأمازيغية، مصطفى أسايا وحميد أعضوش. أليس هذا نوعا من التشجيع لهذه العصابات على الاعتداء والإجرام؟ فـ”بوليساريو” الخارج، المتورطون في قتل مغاربة، يعودون إلى المغرب متى أرادوا ليحظوا بالمناصب والمال، إعمالا لمبدأ “الوطن غفور رحيم”. وكذلك “بوليساريو” الداخل يرتكبون الجرائم ثم ينالون العفو ليعودوا إلى تكرار نفس الجرائم.

وفي الحقيقة، كل من يعادي الأمازيغية بالمغرب فهو يؤيد موقف “البوليساريو”، سواء كان واعيا أو غير واعٍ بذلك، لأنه يتبنى إيديولوجيتهم الأمازيغوفوبية التي هي ركن في مشروعهم الانفصالي. فرئيس الحكومة السيد بنكيران، عندما يهين الأمازيغيين ويسخر من حرفهم “تيفيناغ”، فهو يؤيد ويخدم، دون قصد منه طبعا، موقف “البوليساريو” المعادي للأمازيغية.

اختفاء “إزم” هو خسارة لا تعوّض، ليس فقط لعائلته، بل لكل الحركة الأمازيغية ولكل الأمازيغيين ولكل المغرب. فكلنا نرى فيه إما أخا أو صديقا أو ابنا أو حفيدا، كما بالنسبة لي ولمن هم في عمري. فرغم حياته القصيرة، فقد أعطى فيها الشيء الكثير للقضية الأمازيغية. ولو عاش حياة عادية، لكان عطاؤه للأمازيغية، ولعائلته وللمغرب كذلك، أغزر وأكبر وأكثر. مات صغيرا، لكن أعماله ومنجزاته لصالح الأمازيغية كانت كبيرة. ولهذا ففقدانه لا يجعل منه هو الفقيد والضحية، بل نحن الفقيدون والضحايا، الذين ضاع لنا ومنا شيء نفيس وعزيز ولا يعوّض. ولذلك فــ”إزم” سيبقى حاضرا دائما في قلوبنا وعقولنا، كما كانت الأمازيغية حاضرة دائما في قبله وعقله. فلقد مات من أجل أن تحيا الأمازيغية.

ولهذا يكون خير تكريم يستحقه ويخلّد ذكراه، هو أن نجعل أولا من ذكرى اغتياله محطة نوعية في مسار القضية الأمازيغية، ومرحلة جديدة ضمن المراحل التي تؤرخ للمسار التاريخي لهذه القضية. فبعد ميثاق أكادير، والبيان الأمازيغي، وإنشاء “ليركام”، وطرح الاختيار الأمازيغي، والترسيم الدستوري للأمازيغية، تأتي مرحلة “إزم” كانطلاقة جديدة للقضية الأمازيغية. وبهذا يكون موته قد أعطى مزيدا من الحياة للأمازيغية التي مات من أجلها، ونجعل ثانيا من قضية الصحراء جزءا من القضية الأمازيغية، كما أراد “إزم” الذي لم يكن يفصل بين الهوية الأمازيغية للمغرب، وبين أمازيغية الصحراء كجزء من الأرض الأمازيغية للمغرب.

لقد مات “إزم”. لكن في موته حياة لآلاف “إزماون”، كما صرّح والده، رزقه الله مزيدا من الصبر والسلوان، للإذاعة الأمازيغية عندما قال: «لقد فقدت عمر. لكن كل هذه الآلاف من الشبان الذي حجوا إلى قبر عمر، جعلوني أشعر كأنني أب للآلاف من العمرات».

رابط مختصر